لماذا ندرس تاريخ الفكر الإداري؟
مرّ الفكر الإداري بمراحل متعاقبة، حاولت كل مرحلة حل مشكلات عصرها. وفهم هذه المدارس يساعد المدير اليوم على اختيار الأسلوب المناسب لموقفه، لأن كثيراً من أفكارها ما زال مطبقاً حتى الآن.
أولاً: المدرسة الكلاسيكية
ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مع توسع المصانع بعد الثورة الصناعية، وركزت على زيادة الإنتاجية والكفاءة، ونظرت إلى العامل باعتباره عنصراً اقتصادياً يحفزه الأجر.
الإدارة العلمية: فريدريك تايلور
يُعد تايلور أبا الإدارة العلمية، وقد نشر كتابه "مبادئ الإدارة العلمية" عام 1911. ومن أهم أفكاره:
- دراسة الحركة والزمن: تحليل كل عمل إلى حركات بسيطة، وقياس الزمن اللازم لكل منها، لتحديد أفضل طريقة لأداء العمل.
- الاختيار العلمي للعمال وتدريبهم بدلاً من تركهم يتعلمون بأنفسهم.
- التعاون بين الإدارة والعمال لضمان تطبيق الطريقة العلمية.
- تقسيم المسؤولية: تتولى الإدارة التخطيط، ويتولى العمال التنفيذ.
- نظام الأجر التشجيعي: ربط الأجر بالإنتاجية، كالأجر بالقطعة.
نظرية التقسيم الإداري: هنري فايول
اهتم فايول بالإدارة من منظور المدير في المستويات العليا، وحدد وظائف الإدارة الخمس: التخطيط، والتنظيم، وإصدار الأوامر، والتنسيق، والرقابة. ووضع أربعة عشر مبدأً للإدارة، منها:
- تقسيم العمل والتخصص.
- السلطة والمسؤولية متلازمتان.
- وحدة الأمر: يتلقى الموظف أوامره من رئيس واحد فقط.
- وحدة التوجيه: لكل مجموعة من الأنشطة ذات الهدف الواحد خطة واحدة ومدير واحد.
- خضوع المصلحة الشخصية للمصلحة العامة.
- تدرج السلطة من أعلى إلى أسفل.
- العدالة في معاملة العاملين، واستقرارهم الوظيفي.
- المبادرة وروح الفريق.
النظرية البيروقراطية: ماكس فيبر
وصف فيبر التنظيم المثالي الذي يقوم على:
- تقسيم واضح للعمل والتخصص.
- تسلسل هرمي محدد للسلطة.
- قواعد وإجراءات مكتوبة تحكم العمل.
- اللاشخصية في التعامل، أي تطبيق القواعد على الجميع دون محاباة.
- الاختيار والترقية على أساس الكفاءة والمؤهلات.
نقد المدرسة الكلاسيكية: أهملت الجوانب الإنسانية والاجتماعية للعاملين، ونظرت إلى المنظمة كنظام مغلق لا يتأثر بالبيئة، وقد يؤدي التمسك الشديد بالقواعد إلى الروتين والجمود.
ثانياً: مدرسة العلاقات الإنسانية
ارتبطت بـ تجارب هوثورن التي أجراها إلتون مايو وزملاؤه في مصانع شركة ويسترن إلكتريك الأمريكية بين عامي 1924 و1932 تقريباً. بدأت التجارب لدراسة أثر الإضاءة على الإنتاجية، فاكتشف الباحثون أن الإنتاجية ارتفعت لأن العمال شعروا بالاهتمام بهم. ومن نتائجها:
- العامل كائن اجتماعي له حاجات نفسية واجتماعية، وليس آلة يحفزها المال فقط.
- للجماعات غير الرسمية تأثير كبير على سلوك العاملين وإنتاجيتهم.
- الاهتمام بالعاملين وإشراكهم يرفع روحهم المعنوية وإنتاجيتهم.
ثالثاً: المدارس الحديثة
مدرسة النظم
تنظر إلى المنظمة باعتبارها نظاماً مفتوحاً يتكون من أجزاء مترابطة، ويتفاعل مع بيئته من خلال:
- المدخلات: الموارد البشرية والمادية والمالية والمعلومات.
- العمليات: تحويل المدخلات إلى سلع وخدمات.
- المخرجات: السلع والخدمات والأرباح.
- التغذية الراجعة: معلومات عن المخرجات تُستخدم لتحسين الأداء.
المدرسة الموقفية
ترى أنه لا توجد طريقة إدارية واحدة مثلى تصلح لكل المواقف، وأن الأسلوب المناسب يعتمد على ظروف الموقف: حجم المنظمة، وطبيعة التقنية، واستقرار البيئة، وخصائص العاملين. فالأسلوب الصارم قد ينجح في موقف أزمة، ويفشل في فريق من الخبراء المبدعين.
الخلاصة
لم تُلغِ المدارس الحديثة ما قبلها، بل أكملته؛ فالمدير المعاصر يستفيد من دقة الإدارة العلمية، ومن اهتمام العلاقات الإنسانية بالعاملين، ومن النظرة الشاملة لمدرسة النظم، ومن مرونة المدرسة الموقفية.